تفشل الكثير من قطع المحتوى في ترك أي أثر حقيقي، رغم سلامة اللغة وجاذبية الصياغة، وغالبًا ما يُساء تشخيص السبب. يُلام الأسلوب، أو تُتَّهم بقلة الإبداع، بينما الخلل أعمق من ذلك بكثير. المشكلة لا تبدأ من الصياغة، بل من نقطة أبكر: من فهم الجمهور نفسه. فالمحتوى لا يُقاس بجمال عباراته ولا بتراكم أفكاره، بل بقدرته على ملامسة وجع حقيقي يشعر به القارئ في لحظة التلقي.
قطعة واحدة من المحتوى قد تتفوّق على عشرات غيرها، لا لأنها أكثر إتقانًا لغويًا، بل لأنها انطلقت من فهم صادق لما يؤرق الجمهور فعلًا، ولما يبحث عنه دون أن يصرّح به مباشرة.
هنا يظهر السؤال الذي يتجنّبه كثير من كتّاب المحتوى دون وعي: لماذا نصرّ على الكتابة لجمهور لا نعرفه بما يكفي؟ ولماذا نخلط بين من نريد التأثير فيه، ومن نشعر بالارتياح عند الكتابة له؟ حين تُكتب الرسالة دون تحديد واضح للمتلقي الفعلي، يتحوّل الجمهور إلى مفهوم نظري، ويصبح المحتوى أقرب إلى خطاب عام يفتقد نقطة الارتكاز. في هذه الحالة، لا يفشل المحتوى لأنه ضعيف، بل لأنه موجَّه في الاتجاه الخطأ.
فالكتابة التي لا تنطلق من فهم حقيقي للجمهور، مهما بدت ذكية أو عميقة، تظلّ محاولة لإقناع شخص غير موجود فعليًا في لحظة القراءة.
المتلقي المتخيَّل: الخطأ الذي لا ننتبه له
عند تفكيك المشكلة من جذورها، يتضح أن الخطأ لا يكمن في اختيار الكلمات بقدر ما يكمن في اختيار المتلقي، فكثير من كتّاب المحتوى يكتبون لجمهور يشبههم فكريًا ومهنيًا، لا للجمهور الذي يحتاج المحتوى فعلًا. يكتب الكاتب من داخل خبرته، بلغته، وبافتراضاته، فيتحوّل المحتوى إلى حافز فكري لمن هم أصلًا في الدائرة نفسها، بينما يظل المتلقي الفعلي خارج المشهد. هنا يصبح “الجمهور المستهدف” توصيفًا نظريًا لا أكثر، بلا ملامح حقيقية أو سلوك يمكن البناء عليه.
التمييز بين المتلقي الفعلي والمتلقي المتخيَّل ليس تفصيلًا ثانويًا، بل خطوة تأسيسية في أي محتوى يريد التأثير، فالمتلقي المتخيَّل هو ذلك الشخص الذي نفترض أنه يفهمنا بسرعة، يتفاعل مع منطقنا، ويشاركنا الخلفية نفسها. أما المتلقي الفعلي، فهو الذي يقرأ من موقع مختلف، بدوافع مختلفة، وبمرحلة وعي قد لا تتقاطع مع افتراضاتنا إطلاقًا. وعندما يُكتب المحتوى لهذا المتلقي المتخيَّل، يبدو الطرح منطقيًا ومقنعًا، لكنه يفشل في إحداث أي تحوّل حقيقي، لأن الرسالة لم تُصمَّم أصلًا لتلتقي مع واقع القارئ، بل مع صورة مريحة في ذهن الكاتب.
حين يحلّ الحدس مكان الفهم
غالبًا ما يبدأ الاعتماد على الحدس من خلط غير واعٍ بين المتلقي الفعلي والمتلقي المتخيَّل. حين يكتب صانع المحتوى لجمهور يشبهه في التفكير والخبرة، يتكوّن لديه شعور زائف بالفهم، يجعله يعتقد أنه لا يحتاج إلى بيانات أو تحليل سلوك حقيقي، وهذا الشعور لا يكون ادعاءً متعمدًا، بل قناعة داخلية مريحة: أنا أعرف جمهوري لأنني واحد منه. ومع الوقت، يتحوّل الحدس إلى بديل عن البحث، وتُستبدل الأسئلة الحقيقية بافتراضات غير مختبرة.
تكمن خطورة هذا المسار في أن الحدس لا يُختبر، بينما البيانات تفعل. وعندما لا يختبر الكاتب فهمه للجمهور، يبدأ المحتوى في عكس رؤيته هو، لا واقع المتلقي. يبدو الطرح منطقيًا، والصياغة متينة، لكن الرسالة لا ترتبط بدوافع القارئ ولا بمرحلة وعيه أو توقيت قراره. هنا يفشل المحتوى في أداء وظيفته الأساسية، لا لأنه ضعيف، بل لأنه بُني على تصوّر شخصي بدل سلوك يمكن قياسه.
يظهر هذا الخلل بوضوح في محتوى يحقق تفاعلًا شكليًا دون نتائج ملموسة. قد تُنشر عدة قطع محتوى متتالية تبدو قوية في فكرتها وتنفيذها، وتحصل على إعجابات ومشاركات، لكنها لا تؤدي إلى أي تحويل حقيقي. هذا التناقض لا يعني أن الجمهور غير مهتم، بل يعني أن المحتوى لم يُصمَّم أصلًا لدعم قرار، بل لإثبات فكرة أو إبراز معرفة.
غالبًا ما تظهر هذه الحالة في أحد الأشكال التالية:
- تفاعل مرتفع دون رسائل أو طلبات فعلية
- مشاركة من كتّاب ومسوقين أكثر من أصحاب قرار
- نقاشات فكرية بلا أي خطوة لاحقة
التفاعل لا يعني التأثير
المشكلة هنا أن التفاعل يُفهم خطأً بوصفه نجاحًا، بينما في الواقع، التفاعل لا يعني بالضرورة أن المحتوى أثّر، بل قد يعني فقط أنه بدا ذكيًا أو قابلًا للمشاركة. التأثير الحقيقي يُقاس بقدرة المحتوى على دفع المتلقي خطوة واحدة للأمام داخل رحلته، لا بإبقائه في دائرة الإعجاب السلبي. وعندما يغيب هذا الفهم، يتحوّل المحتوى إلى نشاط شكلي يستهلك الجهد دون أن يغيّر السلوك.
أحد الأسباب الأساسية لهذا الخلل هو تجاهل مرحلة الوعي التي يمر بها الجمهور لحظة التلقي. فالجمهور لا يتواجد جميعه في النقطة نفسها، بل يمر بحالات وعي متدرجة، وأي محتوى لا يراعي هذا التدرج يفقد قدرته على الإقناع، مهما كانت صياغته متقنة. المشكلة لا تكون في ماذا نقول، بل في متى نقوله، ولمن بالتحديد.
يمكن تبسيط حالات الوعي التي يمر بها الجمهور في خمس مراحل رئيسية:
- غير واعٍ بالمشكلة: لا يدرك وجود مشكلة أصلًا.
- واعٍ بالمشكلة: يشعر بالوجع دون معرفة السبب أو الحل.
- واعٍ بالحل: يعرف أن هناك حلولًا ممكنة دون تفضيل واضح.
- واعٍ بالمنتج: يدرك وجود خيار أو خدمة محددة.
- الأكثر وعيًا: مستعد لاتخاذ القرار ويقارن البدائل.
تجاهل هذا التسلسل يجعل المحتوى يقفز مباشرة إلى مراحل متقدمة، بينما لا يزال الجمهور في نقطة سابقة، فينشأ الانفصال بين الرسالة وحالة المتلقي.
عندما لا يتطابق الـ CTA مع وعي الجمهور
يحدث أحد أكثر أخطاء المحتوى شيوعًا عندما تُوجَّه عبارة الحث على الإجراء إلى جمهور غير مستعد لها ذهنيًا، فالمشكلة هنا ليست في صيغة الـ CTA بحد ذاتها، بل في توقيتها، وحين يُطلب من قارئ لا يزال في مرحلة اكتشاف المشكلة أن يتخذ قرارًا حاسمًا، ينشأ تضاد واضح بين الرسالة وحالة الوعي، فيشعر المتلقي أن المحتوى يستعجله أو لا يفهمه، حتى وإن كان الطرح منطقيًا في جوهره.
هذا التضاد لا يثير الرفض فقط، بل يولّد شعورًا بعدم الارتياح أو الشك، فينسحب القارئ قبل أن يدخل في مرحلة التفاعل الحقيقي. فالـ CTA ليس زرًا تقنيًا يُضاف في نهاية النص، بل امتداد مباشر لمسار نفسي بدأ منذ الجملة الأولى. وعندما لا ينسجم هذا الامتداد مع المرحلة الذهنية للجمهور، يتحوّل الحث على الإجراء من أداة توجيه إلى عامل نفور.
يمكن ملاحظة هذا الخلل بوضوح في الحالات التالية:
- محتوى توعوي ينتهي بدعوة شراء مباشرة
- مقال تحليلي يطالب القارئ “بالتواصل الآن” دون تمهيد
- الجمع بين أكثر من CTA متضاد داخل قطعة واحدة
في هذه الحالات، لا يكون المحتوى ضعيفًا، لكنه غير منسجم مع لحظة القرار التي يعيشها القارئ، فيفقد أثره رغم جودة بنائه.
لماذا التركيز على المنتج وحده لا يقنع أحدًا؟
لنفترض أن كاتب محتوى يقدّم خدمة كتابة صفحات هبوط، وفي كل محتواه يكرر الرسالة نفسها تقريبًا: نكتب صفحات هبوط احترافية، مدروسة، ومبنية على أسس تسويقية.
الطرح منطقي، الصياغة جيدة، وحتى التفاعل موجود. لكن عند مراقبة النتائج، لا توجد رسائل جدّية، ولا طلبات فعلية. السبب هنا ليس في ضعف العرض، بل في زاوية الطرح نفسها.
هذا الكاتب يتحدث عن المنتج كما يراه هو، لا عن الدافع كما يعيشه العميل. العميل لا يستيقظ صباحًا وهو يريد “صفحة هبوط احترافية”، بل يستيقظ وهو قلق لأن:
- الإعلانات تعمل لكن التحويل ضعيف
- الزوار يدخلون الصفحة ويغادرون بسرعة
- الميزانية تُستنزف دون نتائج واضحة
عندما يُختزل المحتوى في وصف الخدمة، يشعر القارئ أن الرسالة لا تلامس واقعه، حتى وإن كانت صحيحة نظريًا.
خصائص المنتج لا تحرّك القرار، الدوافع تفعل
لفهم هذا الخلل بشكل أوضح، يمكن التمييز بين نوعين من الرسائل:
-
خصائص المنتج Attributes
- صفحة هبوط احترافية
- صياغة تسويقية قوية
- تحسين معدل التحويل
- تجربة مستخدم محسّنة
-
دوافع الشراء Drivers
- الخوف من هدر الميزانية الإعلانية
- القلق من أن المشكلة “في البراند نفسه”
- الرغبة في الشعور أن القرار التسويقي كان صحيحًا
- تقليل المخاطرة قبل ضخ ميزانية أكبر
المحتوى الذي يكتفي بسرد الخصائص يفترض أن القارئ سيهتم تلقائيًا، بينما المحتوى المؤثر يبدأ من الدافع، ثم يربط المنتج به كحل منطقي، لا كعرض تقني.
مثال بسيط يوضح الفرق
- قبل (تركيز على المنتج): “نقدّم خدمة كتابة صفحات هبوط تساعدك على زيادة معدل التحويل.”
- بعد (تركيز على الدافع): “إذا كنت تضخ ميزانية إعلانية، وتشعر أن المشكلة ليست في الإعلانات بل في الصفحة نفسها، فغالبًا أنت تدفع ثمن قرار لم يُختبر بعد.”
الفرق هنا ليس في البلاغة، بل في نقطة الدخول إلى عقل القارئ، فالمثال الثاني لا يشرح الخدمة، بل يفتح ملفًا نفسيًا يشعر القارئ أنه يعيشه أصلًا، ثم يترك الباب مفتوحًا للحل.
كيف نعرف أننا نخاطب الدافع الصحيح؟
قبل أي كتابة، هناك سؤال واحد إن لم يكن واضحًا، فلن ينقذك أي أسلوب أو صياغة لاحقًا: ما القرار الذي يجب أن يساعد هذا المحتوى القارئ على اتخاذه؟
هذا السؤال لا يحدّ من الإبداع، بل يضبط اتجاهه. عندما يكون القرار غامضًا، يصبح المحتوى عامًا، وعندما يكون القرار واضحًا، تبدأ الرسالة في التشكل تلقائيًا. فالكاتب لا يعود يكتب “أفكارًا جيدة”، بل يكتب ليُحرّك خطوة محددة داخل رحلة القارئ، مهما كانت صغيرة.
من هنا يصبح فهم الجمهور أعمق من مجرد وصفه، ويظهر ما يمكن تسميته بنموذج 3D (Three Dimensions) لفهم السلوك، لا الشخصية. هذا النموذج لا يسأل: من هو الجمهور؟ بل يسأل: لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟
- حاجة: يريد الوصول إليها أو مشكلة يريد الخروج منها.
- دافع: يحرّكه نفسيًا أو عمليًا للاهتمام بهذه الحاجة.
- مانع: يوقفه عن اتخاذ القرار رغم اقتناعه الظاهري.
المحتوى الذي يتجاهل أحد هذه الأبعاد غالبًا ما يبدو مقنعًا على الورق، لكنه لا يُحرّك الواقع، ولأن الدوافع لا تُكتشف بالافتراض، فإن السلوك هو أقصر طريق للفهم الحقيقي. بدل السؤال: “من جمهوري؟” يصبح السؤال الأهم: ماذا يفعل جمهوري؟
هذه مؤشرات بسيطة لكنها كاشفة:
- ماذا نقر؟
- ماذا تجاهل؟
- أين توقّف عن القراءة؟
- ما الذي بحث عنه قبل الوصول إلى هذا المحتوى؟
على سبيل المثال، إذا كان جمهورك يقرأ مقالًا كاملًا عن مشكلة معيّنة، لكنه يغادر عند أول ذكر للحل، فغالبًا المانع ليس في الحل نفسه، بل في توقيته أو في درجة الثقة. هنا لا تحتاج إلى صياغة أجمل، بل إلى فهم أدق للحظة التردد.
من الفهم إلى المحتوى: كيف يتحوّل التحليل إلى رسالة تؤثّر؟
الفهم وحده لا يصنع محتوى مؤثرًا، قيمته الحقيقية تظهر عندما يُترجم إلى رسالة واضحة. يمكن تبسيط هذه الرحلة بثلاث مراحل مترابطة:
- Insight بصيرة/ رؤية: حقيقة سلوكية مكتشفة عن الجمهور.
- Message رسالة: فكرة مركزية تعالج هذه الحقيقة.
- Content محتوى: صياغة هذه الفكرة بلغة تناسب وعي القارئ.
المشكلة الشائعة أن كثيرًا من المحتوى يقفز مباشرة إلى الصياغة، متجاوزًا البصيرة والرسالة، فيبدو النص جيدًا لغويًا، لكنه بلا اتجاه.
لنأخذ مثالًا بسيطًا.
- بصيرة: جمهور يجرّب أدوات تسويقية كثيرة، لكنه يشعر أن النتائج لا تتغير.
- رسالة: المشكلة ليست في كثرة الأدوات، بل في القرار الذي لم يُحسم.
- محتوى (صياغة): “إذا شعرت أنك تفعل كل شيء صحيح، لكن النتائج لا تتحرّك، فغالبًا المشكلة ليست في الجهد، بل في القرار الذي تؤجّله.”
هنا لم نعرض حلًا مباشرًا، بل فتحنا مساحة تفكير تتماشى مع مرحلة الوعي، وتدعم قرارًا لاحقًا، ولرفع تأثير النص، من المفيد اعتماد تسلسل يحاكي طريقة تفكير القارئ، لا طريقة تفكير الكاتب:
- ألم: تسمية المشكلة كما يشعر بها القارئ.
- معنى: تفسير سببها أو خطأ الفهم المرتبط بها.
- حل: توجيه منطقي أو خيار مناسب.
- إثبات: سبب يجعله يثق بأن هذا الاتجاه يستحق الانتباه.
وقبل النشر، يمكن اختصار كل هذا في مراجعة سريعة تمنع المحتوى من الانحراف:
- هل القرار الذي يدعمه المحتوى واضح؟
- هل يخاطب دافعًا حقيقيًا لا وصفًا عامًا؟
- هل يتناسب مع مرحلة وعي القارئ؟
- هل يتدرّج منطقيًا من المشكلة إلى الحل؟
- هل الـ CTA خطوة طبيعية لا قفزة مفاجئة؟
إذا غاب الوضوح عن أي نقطة، فالمشكلة ليست في اللغة، بل في الفهم.
خاتمة
قد يفشل المحتوى لأنه كُتب بشكل سيّئ، لكن الإخفاق الأكثر شيوعًا يحدث عندما يُكتب دون فهم دقيق لمن يخاطبه، فالقوة لا تكمن في جمال الصياغة وحده، بل في دقة التوجيه، وفي القدرة على مخاطبة عقل القارئ في مرحلته الصحيحة وبالدافع الذي يحركه. عندما يصبح فهم الجمهور هو نقطة الانطلاق، يتحوّل المحتوى من نص يُقرأ إلى أداة تُغيّر القرار، وعندها فقط، لا يكون الحضور رقميًا فحسب، بل مؤثرًا.
هذا المقال ليس نهاية الفكرة، بل بدايتها. في المقالات القادمة، سننظر إلى المحتوى من حيث القرار الذي يدعمه، والأثر الذي يصنعه، لا من حيث الصياغة وحدها.
متابعة المدونة تضمن أنك لن تفوّت هذه الرحلة.
